

كان يا مكان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، كانت تعيش ملكة جميلة طيبة القلب في إحدى الممالك البعيدة.
في إحدى أيام الشتاء قارسة البرودة، وبينما كان الثلج يهطل بغزارة في الخارج، جلست الملكة الطيبة عند حافة النافذة تطرّز على قماش من حرير، وبينما هي على تلك الحال، وخزت اصبعها فجأة بإبرة الخياطة، وسقطت بضع قطرات من الدم على الثلج الأبيض المتجمّع عند النافذة.
في تلك اللحظة، تمنّت الملكة أن يرزقها الله بمولود ذو بشرة بيضاء كالثلج، وفم أحمر كالدم، وشعر أسود كالأبانوس.
وما هي إلاّ بضعة أشهر حتى وضعت الملكة مولودها، وكان بنتًا جميلة تمامًا كما تمنّتها، ذات شعر أسود حالك كالأبانوس، وبشرة بيضاء ناصعة كالثلج، وفم أحمر كالدم القاني. وأسمتها الملكة سنو وايت أيّ: “بياض الثلج”.
وفرح الملك بمولودته الصغيرة، لكنّ فرحته لم تدم طويلاً، فقد مرضت الملكة بعد الولادة مرضًا شديدًا، وماتت بعد بضعة أيّام تاركة سنووايت يتيمة بلا أمّ.
تزوّج الملك فيما بعد بامرأة أخرى، وكانت زوجته الجديد جميلة جدًا، لكنها لم تكن طيبة على الإطلاق كما كانت الملكة الراحلة. كما أنها كانت تغار كثيرًا ولا تحبّ أن يكون هناك من هو أجمل منها. بل كان لديها أيضًا مرآة سحرية، وكانت في كلّ صباح تنظر إلى المرآة وتقول:
– مرآتي يا مرآتي، أخبريني من هي أجمل فتاة في الأرض؟
فتجيب المرآة:
– مولاتي الملكة، أنتِ الأجمل في هذه الأرض، وليس هناك من يضاهي جمالك على الإطلاق.
فتضحك الملكة بسعادة، ويزداد غرورها وإعجابها بنفسها وجمالها.
ومرّت الأيام والسنوات، وكبرت سنو وايت، وازداد جمالها، كما أنها كانت ذات قلب طيب رقيق، تحبّ مساعدة الغير، ولا تبخل بتقديم العون على من يحتاج، ولاحظت الملكة المغرورة جمال سنو وايت، وبدأت تغار من حسن مظهرها ودماثة أخلاقها.
وفي أحد الأيام، استيقظت الملكة، وسألت مرآتها السحرية:
– مرآتي يا مرآتي، من هي أجمل فتاة على وجه الأرض؟
وأجابت المرآة:
– مولاتي الملكة، إنّ جمالك رائع لا مثيل له، ولكنّ هناك من هو أجمل منك…إنها سنو وايت.
غضبت الملكة غضبًا شديدًا حين سمعت هذه الجملة، واشتعلت نيران الغيرة في قلبها وتأجّجت، وقررت التخلص من سنو وايت. فنادت أحد حرّاسها المخلصين وقالت له:
– أريد أن تصطحب سنو وايت إلى الغابة، وتقتلها، وتحضر لي قلبها، حتى أتأكد أنها ماتت بالفعل.
فزع الحارس من طلب الملكة، لكن لم يستطع الرفض، وهكذا نفّذ أوامر الملكة، ورافق سنو وايت إلى الغابة.
كانت هذه هي المرّة الأولى التي تخرج فيها سنو وايت من القصر، وكم كانت سعادتها عظيمة وهي ترى الغابة بحيواناتها الأليفة من أرانب وغزلان وعصافير، ونباتاتها وأزهارها البرية الساحرة، فراحت تقفز من مكان لآخر وهي تغنّي فرحًا وسعادة، بينما كان الحارس يتحيّن الفرصة للقضاء عليها وهي غافلة عنه وعن خطّته الماكرة.
لكن الحارس كان في أعماقه رجلاً طيبًا وفيًا للملك، ولم يستطع برغم كلّ محاولاته أن يقتل سنو وايت، فقال لها أخيرًا، وهو يصوّب قوسه نحوها:
– اهربي يا سنو وايت ولا تعودي إلى القصر، فزوجه أبيك الشريرة تريد القضاء عليك.
فزعت سنو وايت عندما رأت الحارس في تلك الحالة وسمعت ما قاله لها، فهربت بعيدًا عنه، وراحت تركض على غير هدى في الغابة باحثة عن ملجأ أو مأوى.
حلّ الليل، وتحوّلت الغابة المشرقة إلى مكان مظلم مخيف، اختبأت الحيوانات الظريفة من أرانب وغزلان، وبدأت الحيوانات المفترسة التجوال باحثة عن عشائها. أمّا سنو وايت، فقد اختبأت في كهف بعيد، وقضت ليلتها الأولى في خوف شديد، فلم تستطع النوم حتى بدأت بشائر الصباح بالظهور.
استيقظت سنو وايت في اليوم التالي عند العصر، وخرجت من الكهف تبحث عن شيء تأكله، فقد كانت جائعة جدًا، وبينما كانت تبحث عن الطعام، لاح لها من بعيد كوخ صغير، ففرحت وابتهجت، وقرّرت الذهاب إليه وطلب العون من أهله، علّهم يقدّمون لها طعامًا تسدّ به جوعها.
وصلت سنو وايت إلى الكوخ الصغير، وطرق الباب عدّة مرّات، فلم تلقَ جوابًا، ثمّ دفعت الباب، فوجدته مفتوحًا فدخلت وأغلقت الباب من خلفها.
في داخل الكوخ، وجدت سنو وايت مائدة مستطيلة حولها سبعة كراسي، وعلى المائدة سبعة صحون من الحساء، وسبع ملاعق، وسبعة شوك وكذلك سبع أرغفة من الخبز، وسبعة أكواب من الماء.
ولأنها كانت جائعة جدًا، لم تستطع الانتظار حتى يأتي أهل البيت، فجلست على أحد الكراسي، وقد كان كرسيًا صغيرًا للغاية، وأخذت ملعقة وراحت تأكل بضع لقيمات من كلّ صحن، وتأخذ قطعة صغيرة من كلّ رغيف، ورشفة من كلّ كوب.
وعندما انتهت من تناول الطعام، صعدت إلى الطابق العلوي من الكوخ، ووجدت فيه سبعة أسرّة أيضًا، لكنّها كانت صغيرة جدًا وكأنها أسرّة أطفال، فاختارت أحدها واستلقت عليه، وما لبثت أن غطّت في نوم عميق.
ومع حلول المساء، عاد أهل البيت إلى كوخهم، وقد كانوا سبعة أقزام يعملون في التنجيم، وما إن دخلوا حتى لاحظوا أمرًا غريبًا في منزلهم لكنهم لم يستطيعوا معرفة ما هو.
وعندما جلسوا جميعًا إلى مائدة العشاء، قال أوّلهم:
– هنالك من جلس على كرسيّي!
وقال آخر:
– وهناك من أكل من طبقي…
وأضاف الثالث:
– ومن استخدم ملعقتي؟!
ثمّ أضاف الرابع:
– وهنالك من شرب من كأسي…
وقال الخامس:
– وأكل من رغيف الخبز الخاصّ بي!
قال السادس في غضب:
– واستخدم شوكتي أيضًا!
وهنا سمع الجميع صوت القزم السابع يقول وهو ينزل من الطابق العلوي:
– والآن هو ينام على سريري!
تفاجأ الأقزام كلّهم، وصعدوا على الفور إلى العليّة، فعثروا على سنووايت الجميلة نائمة بعمق، وأصابتهم الحيرة، وراحوا يفكّرون بأمرها:
– من تكون يا ترى؟
قال أحدهم.
– لا يبدو عليها أنّها شريرة.
أضاف الآخر، ووافقه البقية، وبينما هم في حيرتهم تلك، فتحت سنووايت عينيها أخيرًا واستيقظت من نومها، فتعجّبت ممّن حولها، واستغربت وخافت، لكنّ الأقزام قاموا بطمأنتها وأخبروها أنّهم لم يأذوها.
اعتذرت سنووايت لأنها دخلت البيت دون استئذان، وأخبرت الأقزام بقصّتها وحدّثتهم عن زوجة أبيها الشريرة القاسية، فحزن الأقزام على حالها.
– يمكنك أن تعيشي معنا في هذا الكوخ، وسنحميك من زوجة أبيك الماكرة.
قال كبير الأقزام أخيرًا، ووافقه البقية. ففرحت سنووايت بذلك كثيرًا، وشكرت الأقزام على طيبتهم وحسن ضيافتهم.
وفي مكان آخر، كان الصيّاد قد عاد إلى القصر، وقد أحضر معه قلب أحد الحيوانات التي اصطادها، وأخبر الملك أنّ ذلك هو قلب سنووايت، ففرحت الملكة بهذا الخبر، وقهقهت بصوت عالٍ. لقد أصبحت مجدّدًا أجمل امرأة على وجه الأرض.
عاشت سنووايت مع الأقزام بسعادة، فكانت تفيق صباحًا وتعدّ لهم الطعام الشهي وتقوم بأعمال المنزل من تنظيف وترتيب، وكان الأقزام سعداء بوجودها أيضًا، فكانوا يقدّمون لها الهدايا، ويقصّون عليها الحكايات، ويعتنون بها أحسن عناية.
ومرّت الأيام والأسابيع على هذه الحال، وفي أحد الأيام، سألت الملكة مرآتها السحرية:
– مرآتي يا مرآتي…أخبريني من هي الأجمل في الأرض؟
وأجابت المرآة:
– مولاتي الملكة، إنّك بلا شكّ أجمل النساء في هذه القلعة، ولكن هناك في أعماق الغابة، تعيش فتاة رائعة الجمال، وهي أجمل الفتيات على الأرض…إنها سنووايت.
عند سماع هذه الكلمات، استشاطت الملكة غضبًا، وقالت:
– لا بدّ أن الصياد قد خدعني وكذب عليّ…لن أغفر له هذا الأمر، وسألقّنه درسًا لن ينساه. أمّا سنووايت…فسأتخلّص منها بيديّ هاتين.
في اليوم التالي، تنكّرت الملكة في شكل سيّدة في مقتبل العمر، وحملت معها حقيبة مليئة بالأشرطة والأحزمة القماشية، وذهبت بها إلى الغابة حيث تقطن سنوايت مع الأقزام السبعة.
في ذلك الوقت كانت سنووايت الأزهار في الحديقة، عندما رأت السيدة الغريبة تقترب منها، فحيّتها بأدب، وراحت تحادثها وتسألها عن أحوالها.
– صغيرتي الجميلة، أنا أبيع الأشرطة الحريرية والأحزمة القماشية للفتيات الجميلات أمثالك، وظنّي أنّ هذا الحزام سيلائم لون عينيك، فدعيني أجرّبه عليك.
– شكرًا لك يا خالة، ولكنّي لا أملك أيّ مال لأشتريه منك.
– لا عليك. قالت البائعة، ثمّ واصلت: فكلماتك الطيبة تكفي.
وهكذا أخرجت من سلّتها الشريط الحريري، ولفّته حول خصر سنووايت، وراحت تشدّه بقوّة، حتى ما عادت سنووايت قادرة على التنفس، وحاولت من دون جدوى أن تخبر السيدّة بأنّ الحزام يؤلمها، لكنّها فشلت، وأغمي عليها قبل أن تتمكّن من قول أيّ شيء.
وقعت سنووايت أرضًا، وراحت الملكة الشريرة المتنكّرة بثياب البائعة تضحك سعيدة بفعلتها، ثمّ غادرت عائدة إلى القلعة سعيدة لأنها أخيرًا تخلّصت من منافستها، وقد أصبحت الآن أجمل فتاة في الأرض.
ومع غروب الشمس، عاد الأقزام السبعة إلى الكوخ، وأصابتهم الصدمة عندما رأوا سنووايت ملقاة أرضًا بلا حراك. حاولوا إيقاظها، ولكن دون جدوى، إلى أن لاحظ أحد الأقزام الحزام الحريري ملتفًا حولها، وقال للبقية:
– انظروا! هذا الحزام ملتفّ بشدة حول خصرها، إنها غير قادرة على التنفّس بسببه… هيا أحضروا لي المقصّ!
وبسرعة جاء قزم آخر بالمقصّ، ومزّق الحزام، فبدأ اللون يعود تدريجيًا إلى وجه سنووايت وبدأت تتنفس من جديد، وما هي إلاّ لحظات، حتى فتحت عينيها وأفاقت من إغمائها.
فرح الأقزام كثيرًا، وقصّت عليهم سنووايت ما حصل معها، فعرفوا في الحال أنّ تلك السيدة ما هي إلاّ الملكة الشريرة نفسها، وحذّروا سنووايت من عودتها، وطلبوا إليها ألاّ تحادث الغرباء مجدّدًا وأن تتوخّى الحذر.
بعد مرور أيّام قليلة قضتها الملكة الشريرة في سعادة ترتّب الحفلات، والمآدب والعشاءات مع النبلاء والأمراء، توجّهت مرّة أخرى إلى مرآتها السحرية وسألتها:
– مرآتي يا مرآتي….من هي أجمل النساء على وجه الأرض؟
وردّت المرآة:
– إنك يا ملكتي أجمل النساء في القصر، ولكنّ ما تزال سنووايت أجمل منك، وهي أجمل من في الأرض.
استشاطت الملكة غضبًا، وكادت تكسر المرآة من شدّة غضبها، وصاحت بإنكار:
– هذا مستحيل! لقد تخلّصت منها بيديّ!
وأجابت المرآة:
– ما تزال سنووايت حيّة ترزق، فقد تمكّن الأقزام من إنقاذها، وهي تزداد جمالاً في كلّ يوم.
– ليس لوقت طويل!
قالت الملكة، ثمّ تنكّرت مرّة أخرى بزيّ بائعة لأدوات التجميل، وغيّرت شكلها ووجها حتى لا تتعرّف عليها سنووايت، وذهبت مجدّدًا إلى الكوخ.
في ذلك الوقت كانت، سنووايت جالسة عند المدخل تقرأ كتابًا قديمًا، وحولها بعض من حيوانات الغابة اللطيفة. اقتربت منها البائعة العجوز، وقالت لها بصوت لطيف:
– كيف حالك أيتها الفتاة الحسناء؟ هل ترغبين بشراء مشطٍ مميّز لتسريح شعرك الأسود الجميل.
تذكّرت سنووايت على الفور ما حدث في المرّة السابقة، وشعرت ببعض الخوف، لكنّ السيدة العجوز طمأنتها، وقالت:
– أعلم أنّ التحدث إلى الغرباء قد لا يكون آمنًا، لكنّي يا صغيرتي لا أنوي بك شرًّا. انظري، سأسرّح شعري بهذا المشط حتى تتأكدي أنّه سليم وليس فيه ما يخيف.
وأخرجت مشطًا، وبدأت بتسريح شعرها، فاطمأنت لها سنووايت، وقالت:
– هل يمكنني أن أجرب أنا أيضًا؟
أجابت البائعة:
– بالطبع يا صغيرتي! دعيني أسرّح شعرك أنا…
ومن دون أن تلاحظ سنووايت، أخرجت العجوز مشطًا آخر، وقد كان مسمومًا، وراحت تسرّح به شعر سنووايت الأسود الجميل، وفي غضون لحظات قليلة، بدأت سنووايت تشعر بالدوار، فقد بدأ السمّ يتسلل إلى جسمها تدريجيًا، وسقطت بعد دقائق أرضًا بلا حراك.
ضحكت الملكة سعيدة، وغادرت على الفور عائدة إلى قصرها وهي سعيدة لأنها تمكّنت من التخلص من سنووايت. أمّا الأقزام السبعة، فقد عادوا مساءًا ومرّة أخرى وجدوا سنووايت مغمىً عليها بلا حراك. بحثوا عن شريط حول خصرها لكنّهم لم يجدوا شيئًا، وبينما هم يحاولون إيقاظها، انتبه أحدهم فجأة إلى المشط المسموم مغروزًا في شعرها، فنزعه على الفور وألقاه بعيدًا، وبدأت سنووايت تستعيد عافيتها بعده، وأفاقت بعد عدّة دقائق.
مجدّدًا، قصّت هذه الأخيرة ما حصل معها، وعرف الأقزام أنّها محاولة أخرى من محاولات الملكة الشريرة للقضاء عليها. فحذّروا سنووايت وطلبوا منها ألاّ تخرج من الكوخ أبدًا وألا تفتح الباب لأحد من الآن فصاعدًا.
وهكذا مرّت الأيام، وسنووايت تعيش بأمان مع الأقزام، تقضي وقتها في داخل الكوخ، ولا تفتح لأحد الباب أيًّا كان. أما الملكة الشريرة، فقد انشغلت مجدّدًا بإقامة الولائم وحضور الحفلات في القصر، ولكنها بعد عدّة أسابيع، عادت إلى مرآتها وسألتها:
– مرآتي يا مرآتي، من هي أجمل نساء الأرض.
وأجابت المرآة:
– أنتِ يا مولاتي من أجمل النساء، ولكنّ سنووايت كانت وستبقى هي الأجمل على الإطلاق.
كادت الملكة تفقد عقلها من شدّة الغضب والحنق، وقرّرت هذه المرّة أن تقضي على سنووايت تمامًا، فتنكّرت من جديد بهيئة امرأة طاعنة في السنّ، وحملت معها سلّة من التفاح الأحمر اللذيذ، وتوجّهت نحو الكوخ لتنفّذ خطّتها الشريرة.
لكن في هذه المرّة لم تكن سنووايت في الخارج، وكان باب الكوخ مغلقًا، فطرقت الباب، وجاءها صوت سنووايت من الداخل:
– من بالباب؟
– أنا سيّدة طاعنة أسكن في الجوار، وأحتاج لكوب من الماء من فضلك، إنني عطشى…
التزمت سنووايت بأوامر الأقزام، وقالت للعجوز:
– معذرة يا خالة، ولكني لا أستطيع أن أفتح لك الباب.
فأجابت السيدة العجوز:
– لا عليك يا صغيرتي، يمكنك أن تناوليني كوب الماء من النافذة إن شئتِ.
فكّرت سنووايت قليلاً، ورأت أنّه لا ضير في ذلك، ففتحت النافذة وقدّمت للعجوز كوب الماء، فشكرتها هذه الأخيرة، وشربت الماء، ثمّ قالت:
– إنك فتاة طيبة للغاية، وتستحقّين كلّ الخير. تفضّلي، سأعطيك هدّية صغيرة.
ثمّ قدّمت لها حبّة تفاح حمراء ناضجة، وأضافت:
– لقد قطفت هذا التفاح قبل قليل من شجرة عند النهر، تذوّقيها، إنّها حلوة ولذيذة للغاية.
وعلى الرغم من تردّدها، لكن سنووايت لم تستطيع مقاومة تلك التفاحة التي بدت شهيّة للغاية، فأخذتها من العجوز، وقضمتها… وبمجرّد أن فعلت ذلك، حتى سقطت أرضًا مرّة أخرى مغمى عليها، فقد كانت التفاحة مسمومة، وكان السمّ فيها قويًا للغاية.
ضحكت الملكة الشريرة وهي تنظر إلى سنووايت الملقاة أرضًا وقالت:
– هذه المرّة لن تتمكّني من النجاة أبدًا! هاهاهاهاهاها…
ثمّ عادت إلى قصرها والسعادة بالانتصار تغمرها.
عاد الأقزام ليلاً، ووجدوا سنووايت ملقاة أرضًا، فحاولوا بشتّى الطرق إيقاظها، لكنهم فشلوا… لم يعثروا على حزام حول خصرها ولا مشط مسموم في شعرها، ولم يعرفوا كيف يمكنهم إنقاذها.
حاولوا وحاولوا، ولكن دون جدوى… هذه المرّة لم يكن بالإمكان إنقاذ سنووايت.
حزن الأقزام كثيرًا على صديقتهم المسكينة، فبنوا لها صندوقًا زجاجيًا ووضعوها فيها، ثمّ ذهبوا بها إلى الغابة، وجلسوا هناك حولها يبكون وينتحبون.
ومرّت الأيام على تلك الحال دون أن تستيقظ سنووايت أو تستعيد عافيتها. أمّا الملكة، فكانت تسأل مرآتها كلّ يوم عن أجمل امرأة في الأرض، وكانت المرآة تجيب:
– أنتِ يا مولاتي أجمل نساء الأرض الآن.
فكانت تضحك وتقهقه بسعادة وفرح، لأنّ سنووايت قد ماتت، ولم تعد حيّة بعد الآن.
وفي أحدّ الأيام، مرّ أمير من إحدى الممالك المجاورة بالغابة، فسمع صوت الأقزام وهم يبكون، واقترب من مصدر الصوت، حتى عثر على الأقزام وهم ملتفّون حول الصندوق الزجاجي.
استغرب وأصابته الدهشة، لكنه عندما اقترب أكثر من الصندوق، ورأى سنووايت الجميلة نائمة فيه، أعجب بها كلّ الإعجاب، وسأل الأقزام عنها، فأخبروه بحكايتها، وقصّوا عليه محاولات الملكة الشريرة للقضاء عليها، وكيف أنّها نجحت أخيرًا في تحقيق مرادها.
حزن الأمير أشدّ الحزن على سنووايت، وطلب من الأقزام أن يسمحوا له بأخذها معه إلى قصره، علّ الأطباء في مملكته يقدرون على علاجها.
وبعد مشاورات فيما بينهم، وافق الأقزام على طلب الأمير، وفتحوا الصندوق الزجاجي، فانحنى الأمير نحو سنووايت وحملها بين ذراعيه ليضعها على صهوة حصانه، فتدلّى رأسها، وانفتح فمها قليلاً فسقطت قطعة التفاح المسموم أرضًا، وما هي إلاّ لحظات حتى فتحت سنووايت عينيها وعاد إليها وعيها.
فرح الأقزام أشدّ الفرح بعودة صديقتهم، واستقبلوها بالأحضان والغناء، وأمّا الأمير، فقد انحنى نحوها، وأبدى احترامه وإعجابه الشديد بها، فقال:
– آنستي الجميلة، إني ومنذ رأيتك نائمة، قد وقعت في حبّك، وأرجوك أن تقبلي طلبي بمرافقتي إلى قصري لتكوني زوجتي وملكة مملكتي المستقبلية.
احمّرت وجنتا سنووايت خجلاً، ووافقت فورًا على طلب الأمير، فهتف الأقزام فرحًا وسعادة، وهلّلوا لهذا الخبر السعيد.
وركبت سنووايت ظهر الحصان مع الأمير، وساروا في الغابة يتبعهم الأقزام يغنون فرحًا، وشاركتهم حيوانات الغابة من أرانب وعصافير وغزلان هذا الفرح في موكب جميل بهيّ.
وأقيمت احتفالات عظيمة في المملكة المجاورة احتفاءً بالأمير وعروسه الجميلة، ووصلت أخبار هذا الزفاف المهيب إلى المملكة التي كانت تعيش فيها سنووايت سابقًا، فارتابت الملكة وتشكّكت، واتجهت إلى مرآتها لتسألها السؤال المعتاد:
– مرآتي يا مرآتي، من هي أجمل نساء الأرض؟
– إنها يا مولاتي سنووايت…ملكة المملكة المجاورة المستقبلية وعروس الأمير الطيب الشجاع…سنووايت هي أجمل الفتيات في الأرض.
لم تستطع الملكة تحمّل الصدمة، وقذفت بتاجها على المرآة السحرية فتهشمّت إلى قطع صغيرة، واخترقت إحدى هذه القطع قلب الملكة فماتت على الفور. وهكذا نالت عقابها جزاء غرورها وحقدها الشديد على كلّ ما هو جميل.
أمّا سنووايت فعاشت بسعادة وهناء مع الأمير، وكانت تزور أصدقاءها الأقزام بين الحين والآخر لتلعب وتمرح معهم في الغابة.