مغامرات الصغير الصائم: فرحة العيد
مغامرات الصغير الصائم: فرحة العيد

وداع رمضان واستقبال الفرح
كانت ليلة رمضان الأخيرة مختلفة عن كلّ الليالي.
في غرفة الجلوس، جلس عمر إلى جانب والده، بينما كانت الأمّ تتحرّك بهدوء في المطبخ، تجمع أشياء رمضان وكأنّها تودّعه قطعةً قطعة.
كان الصمت لطيفًا، يملؤه صوت ساعة الحائط وهي تدقّ ببطء، كأنّها تعدّ الثواني الأخيرة من شهرٍ عزيز. من النافذة، تسلّل هواء المساء، ومعه ضوء خافت لفوانيس رمضان المعلّقة، ما زالت تلمع، لكنّها بدت كأنّها تهمس: إلى اللقاء.
قال الأب وهو ينظر إلى عمر بنظرة حنونة:
– غدًا يا عمر، نُعلن وداع رمضان… ويبدأ عيد الفطر.
شعر عمر بشيءٍ يتحرّك في صدره. لم يكن شعورًا واحدًا، بل مشاعر كثيرة اختلطت معًا: فرحٌ لأن العيد قادم، وحزنٌ خفيف لأن رمضان سيرحل. قال بصوتٍ صادق:
– سأشتاق إلى رمضان… إلى الصيام، وصلاة التراويح، واجتماع العائلة، وقيام الليل في المسجد… لكنني متحمّس جدًّا للعيد.
اقتربت الأم، وجلست قربه وقالت بلطف:
– هذا أجمل شعور، يا عمر. هكذا يكون المؤمن؛ يفرح بطاعة الله، ويفرح أيضًا بأعياد المسلمين، فالعيد مكافأة الصائمين بعد الصبر.
نظر عمر حوله، وتذكّر ليالي رمضان كلّها:
كيف كان يستيقظ للسحور، وكيف كان ينتظر أذان المغرب، وكيف كان يذهب إلى المسجد مع والده، ويحاول أن يكون هادئًا محترمًا. شعر أنّه لم يكن نفس الطفل الذي بدأ رمضان؛ كبر قليلًا، وتعلّم أشياء كثيرة.
قال الأب:
– في هذه الليلة، نُكثر من التكبير، ونشكر الله الذي أعاننا على الصيام. وغدًا نبدأ العيد بسننه الجميلة: نغتسل، نلبس أجمل الثياب، ونأكل قبل الصلاة، ثم نذهب لصلاة العيد بقلوبٍ فرِحة.
ابتسم عمر، وفهم أن العيد ليس لعبًا فقط، بل عبادة أيضًا,
دخل غرفته ليستعدّ للنوم، لكنه لم يشعر بالنعاس سريعًا. تمدّد في سريره، وراح يتخيّل صباح العيد:
ثوبه الجديد، صوت التكبيرات يملأ الشوارع، الناس يبتسمون لبعضهم، والأطفال يتصافحون ويقولون: عيد مبارك.
شعر أنّ الوقت يمشي ببطء، لكنه لم ينزعج. فالانتظار نفسه كان جزءًا من الفرح.
أغمض عينيه أخيرًا، وقلبه ممتلئ بالشكر، وهو يهمس في نفسه:
شكرًا يا رمضان… أهلًا بالعيد.
صباح العيد
استيقظ عمر باكرًا على أصواتٍ غير معتادة في البيت.
ضحكات خفيفة، خطواتٍ مسرعة، وأصوات أبواب تُفتح وتُغلق بهدوء. فتح عينيه بسرعة، وشعر فورًا أن هذا الصباح ليس كأيّ صباح. اليوم… يوم العيد.
نهض من سريره، وقلبه يخفق فرحًا. دخل غرفته وارتدى ملابسه الجديدة بعناية، وكأنّه يستعدّ لمناسبة عظيمة. وقف أمام المرآة، وعدّل ياقة ثوبه، ثم ابتسم لنفسه، رأى في المرآة محاولاته واجتهاده طوال رمضان.
خرج إلى غرفة الجلوس، فوجد والده قد تجهّز وأمّه تضع اللمسات الأخيرة قبل الخروج...
خرج عمر مع والده إلى الشارع، فتوقّف قليلًا يتأمّل المشهد. بدا الحيّ أجمل من المعتاد، كأنّه ارتدى ثوبه الجديد أيضًا! الناس يمشون بهدوء، وجوههم مشرقة، والأطفال يمسكون أيدي أهاليهم بفرح، والشوارع مليئة بالبهجة.
قال الأب وهو يسير بجانبه:
– العيد يا عمر ليس فقط ثيابًا جديدة، بل هو شكر لله وفرحة نشاركها مع الجميع.
هزّ عمر رأسه موافقًا، وهو يشعر أنّ الكلمات تدخل قلبه بسهولة. رأى أصدقاءه في الطريق: ياسين، وحسّان، ولوّح لهم بيده. تبادلوا السلام والابتسامات، ومضوا إلى الصلاة.
ومن بعيد، ارتفع صوت التكبيرات، يملأ الشوارع ويصل إلى القلوب:
“الله أكبر، الله أكبر…”
شعر عمر بقشعريرة خفيفة، وإحساسٍ جميل لا يشبه أيّ يوم آخر.
لم يكن مستعجلًا للوصول، بل أراد أن يحفظ هذه اللحظات في ذاكرته… لأنّها فرحة لا تتكرّر كثيرًا.
زيارات وفرح مشترك
وصل عمر مع والده إلى ساحة المسجد، فوجدها ممتلئة بالناس. لم يكن المكان مزدحمًا فقط، بل كان حيًّا بالفرح. صفوف طويلة من الرجال والأطفال، وجوه مبتسمة، وأصوات التكبيرات ترتفع من كلّ جهة، كأنّها تحيي الصباح وتملأه نورًا.
أمسك عمر يد والده بقوّة، ليس خوفًا، بل شعورًا بالأمان والانتماء. فرش الناس سجاجيدهم، وجلس بعضهم ينتظر الصلاة، بينما وقف آخرون يردّدون التكبير بهدوء. شعر عمر أنّ الجميع يعرف أنّ هذه اللحظة خاصّة، وأنّ العيد يبدأ من هنا.
انحنى الأب قليلًا نحو عمر وقال بصوتٍ منخفض:
– صلاة العيد ركعتان يا عمر، لكنّها مميّزة بتكبيراتها. تابعني بهدوء، ولا تقلق إن نسيت شيئًا.
هزّ عمر رأسه، ووقف مستقيمًا بجانب والده. عندما كبّر الإمام تكبيرة الإحرام، رفع عمر يديه وكبّر معه. ثم توقّف الإمام قليلًا، وبدأ يكبّر مرّاتٍ أخرى وهو واقف. في كلّ تكبيرة، كان عمر يرفع يديه ويشعر أنّ قلبه يكبّر قبل لسانه، وكأنّ الفرح يخرج مع كلّ “الله أكبر”.
بعد ذلك قرأ الإمام الفاتحة وسورة قصيرة، ثم ركع وسجد، فتابعه عمر كما تعلّم في صلواته السابقة. وعندما قاموا للركعة الثانية، كبّر الإمام مرّة أخرى، وتكرّرت التكبيرات قبل القراءة، ثم أُتمّت الصلاة بهدوء وسكينة.
لم تكن الصلاة طويلة، لكنها كانت مختلفة. شعر عمر أنّها صلاة شكر، صلاة تقول:
لقد صمتَ واجتهدتَ… وهذه فرحتك.
بعد التسليم، وقف الإمام يخطب خطبة قصيرة، فتحدّث عن الشكر، وصلة الرحم، والفرح الذي لا ننسى فيه الآخرين. استمع عمر بهدوء، وهو ينظر حوله إلى الناس، وإلى الأطفال الواقفين بجانب آبائهم، وشعر أنّه جزء من هذا الجمع الكبير.
ما إن انتهت الخطبة، حتى تعانق الناس وتصافحوا، وانتشرت عبارات التهنئة في كلّ مكان:
– عيد مبارك!
– تقبّل الله منّا ومنكم!
صافح عمر رجالًا لا يعرفهم، لكنّهم ابتسموا له كأنّهم يعرفونه منذ زمن. شعر أنّ العيد يجعل الناس أقرب، حتى الغرباء.
خارج المسجد، التقى عمر بأصدقائه. كان ياسين يضحك وهو يقول:
– لم أشعر أنّ الصلاة انتهت بهذه السرعة من قبل!
وقال حسّان:
– أحببتُ التكبيرات… كانت تجعلني أشعر بالقوّة والفرح معًا.
ابتسم عمر، وشعر أنّ العيد أجمل عندما يُشارك فيه أصدقاءه.
عاد مع والده إلى البيت، وهناك بدأت لمّة العائلة. زاروا الجدّ والجدّة، وقبّل عمر أيديهما، فدعوا له بابتسامة:
– كلّ عام وأنت بخير يا بطل.
جلس مع أبناء عمومته، وتبادلوا الضحكات، وقدّمت لهم الأمّ الحلوى. لم يكن عمر يفكّر كثيرًا بالهدايا، بل كان يشعر بدفءٍ جميل في قلبه. فهم أنّ العيد ليس فقط ما نأخذه، بل ما نشعر به ونحن مع من نحبّ.
وفي تلك اللحظات، شعر عمر أنّ فرحة العيد اكتملت:
صلاة، وتكبير، ولمّة أحباب، وقلبٌ ممتلئ بالشكر.
معنى العيد
عد صلاة العيد، خرج عمر مع والده إلى الشارع المزيّن بالفوانيس والألوان الزاهية. الجوّ مليء بالفرح، والضحكات تتردد بين البيوت، وصوت التكبيرات لا يزال يتسلل من المآذن في الحيّ. شعر عمر بأن كل شيء حوله يحتفل معه، وكأن المدينة كلها جزء من لوحة كبيرة.
توجّهوا نحو بيت الجيران ليزوروا الأقارب، وكان ياسين وحسّان يمشون بجانبه، يلوحون بأيديهم لكل من يمرّ بهم. كان عمر سعيدًا لأنه تعلم خلال رمضان أن الفرح يكبر عندما يُشارك، وأنه يمكن أن يكون سببًا في إسعاد الآخرين بابتسامة أو كلمة طيبة.
عند الوصول إلى بيت الجدّ، رحّب بهم الجميع بحرارة، وابتساماتهم كانت أوسع من أي وقت. جلس عمر إلى جانب أبناء عمه، وبدأوا يتبادلون القصص عن رمضان وما تعلموه من الصبر والإيثار. كانت الأمّ تقدم الحلوى والفواكه، وأصوات الأطفال الممتعة تضيف أجواءً مرحة.
في زاوية الحديقة، لاحظ عمر بعض الأطفال الذين يلعبون في الشارع. قرر أن يشاركهم اللعبة، ومع كل خطوة يركضون بها، شعر عمر أنّ فرحة العيد تتضاعف عندما يُقدّم للآخرين وقتًا سعيدًا. لاحظ والده ابتسامة ابنه وقال:
– تذكّر يا عمر، هذه هي روح العيد، مشاركة وفرح مع الجميع.
ثم أخذ عمر وأصدقاؤه يزورون الجيران لتبادل التهاني. كان كل بيت له رائحة مختلفة: حلويات، خبز طازج، وعطور منوعة. علم عمر أنّ كل أسرة تحاول أن تجعل يوم العيد مميزًا، وأن الفرح يكمن في هذه اللحظات الصغيرة: ابتسامة، تحية، أو كلمة طيبة.
قبل غروب الشمس، عاد عمر إلى البيت. جلس مع والديه على الشرفة، ينظر إلى السماء التي بدأت تميل إلى اللون الذهبي، ويتذكر كل شيء عاشه في هذا اليوم. قال وهو يبتسم:
– اليوم شعرت بأن العيد ليس فقط حلوى وملابس جديدة… بل هو حبّ، وفرح، ووقت نعيشه مع من نحبّ.
هز الأب رأسه موافقًا وقال:
– نعم يا عمر، العيد يعلّمنا أن الفرح الحقيقي يكون حين نشارك الآخرين ونشكر الله على النعم التي لدينا.
ابتسم عمر، وأغمض عينيه للحظة، مسترجعًا كل لحظة في هذا اليوم: التكبيرات في المسجد، صلاة العيد، لمّة العائلة، ضحكات الأصدقاء، الألعاب، والزيارات. شعر أنّ قلبه ممتلئ بالحب والشكر، وأن هذه الفرحة سترافقه طوال العام.
وفي نهاية اليوم، قبل أن يخلد للنوم، نظر عمر إلى الفوانيس التي ما زالت مضاءة، وهمس لنفسه:
– كل عام وأنا وأصدقائي بخير… وكل عيد يعلّمنا أن الفرح الحقيقي يُعاش مع من نحبّ.
وهكذا، انتهت مغامرة الصغير الصائم في عيد الفطر، مغامرة مليئة بالبهجة، والدفء، والقيم الجميلة التي تعلمها خلال رمضان واستمرّت معه في فرحة العيد.


